عِندما بَكت نَجد - صحيفة رصد نيوز الإلكترونية عِندما بَكت نَجد

النائب العام يوجه بضبط شخص استغل طفلاً لنشر الكراهية والإساءة للتعليم

عِندما بَكت نَجد

الزيارات: 762
التعليقات: 0
عِندما بَكت نَجد
https://rasdnews.net/news/?p=236830
صحيفة رصد نيوز

خالد عبدالرحمن الحربي-رصد نيوز

كحال تاريخها.. عُنونت بثلاثة كلمات تمثل مراحلها.. كسرت في بدايتها.. و استبشرت بفتح في وسط أزمتها.. و فُتح عليها الخير في عمرها الحديث.. بكت طوال عمرها.. و قليلًا ما دمعت فرحًا.

فأختارها الله في طفولتها مسارًا لأبو البشرية آدم وهو ذاهب للحجاز.. فرحت كالطفل الوحيد عندما يجد صديقًا له.. لكنها مثل حال باقي المعمورة.. حزنت لأول مرة لتفشي الشرك بكل الأرض.. ليغرقها الجبار مع بقية الأرض تحت طوفانه العظيم.

رجعت لسرورها مرة أخرى عندما سار عليها أبناء يعرب.. خارجين من بابل يبحثون عن وطن يلمهم.. في جنوبها استقروا و كانت “حضارة المقر” هي وجهها قبل 9 الآف سنة.. وفي صباها تبنت أبناء يقال لهم “طسم و جديس” خدموها بالعمران الصالح و الحضارة الذهبية إلا أن عقوها و أفناهم الله عنها.

وفي شمالها ظهرت ملامح أول مملكة عربية تحكمها النساء.. قيدار ذلك الأسم المحفوظ في كتابات الآشوريون وهم يصفون حروبهم مع تلك العرب و كيف لإمرأة أن تجمع حولها القبائل و تقاتل بهم لمطلب مقدس إليهم.. لكن كعادة التاريخ.. لا مكان للنساء في تلك الصفحات الممتلئة بالرجال.

ذهبت قيدار و ملكاتها أدراج ريح الخسارة.. لكن نجد لم تقعد على حالها.. فأعطيت الشعلة لأبنائها الجدد ” كِنده ” فخرت بهم و فخروا بها.. سُلطنت على جزيرتها فأصبحت ملكتها.. لكن الحال من المحال.. تشتت بنيها و أغلق عليهم عدوهم حتى فنوا من أرضهم.

رجعت لحزنها مع ألم أكبر ذاقت على علتها حربًا ضروس بسببها فُتيت حضارتها و تشتت جوهرها.. وضعت مرثيتها على جبل خزاز علامة على جرحها.. بقت على حزنها طويلًا و هي ترى أجزائها تتمزق .. أخذ من عمرها البسوس و داحس و أختها الغبراء.

لكن الأمل لم يهجر قلبها.. ابتسمت حين رأت نورًا قد نبع غربها.. رأته خيرًا فأرسلت بعض أبنائها له.. ترتجي نهاية عُبسها.. عرفت ذلك الدين العظيم في عصر نبيه “عليه السلام” فطمأنت به و أقرت عليه نفسها.. لم يدم الحال طويلًا حتى خرجت جماعة عاصية من أبنائها قد ” أرتدوا” عنه .. تهشمت بقوة و درج جوهرها على يد “مسيلمه” .. لكنها وقفت تصدح بغضبها معلنة عودتها بقوة .. رحبت بالوليد مطهرًا ليمامتها .. بعثت أبنائها لنشر هذا الدين لربوع الأرض الواسعة
و مثلما سار عليها العظماء سلفًا.. هاهي جيوش المسلمين تجتر على أرضها مكبرة مؤمنة بنصر الله لهم على كسرى و كساراته من العرب الأخرى.

لكن بعدها أصبحت منسية.. اختفى بريقها من كتب المؤرخين الأوائل .. هجرت عقول الولاة .. و نتيجة تهميشها أصبحت تستغيث بصمت من فكر الخوارج حتى تكالبوا عليها.. استحلوا أرضها و دمروها دون أن يرى أحد.. سفكوا دماء أبناءها دون أن يدري أحد.. و أوجدوا دولتهم “الأخضرية” و تعصموا في اليمامة.. لم يستمروا طويلًا حتى أتى الذي أخبث منهم و أفجر من معتقداتهم .. أخذوا اليمامة منهم و ساروا على الأرض ينشرون مذهبهم بقوة سيفهم و ضعف خلافة بغداد.. كانوا قرامطة قد فاض فجورهم حتى أنتبه لهم العالم الآخر عندما سرقوا حرمة بيت الله الحرام.. استنكرت بغداد و القاهرة المسلوبة سرقته و لعنوا سارقيه “و هذا الواجب” لكنهم نسوا نجدًا بدمها قد غرقت.

لم تكن نجد وحدها من تجاهدهم.. بل كافة أراضي الإسلام كانت تحت وطئت خزعبلات الباطنية زادت عليها الوثنية المغولية في عراقة و شرقة و إرهاب الصليبية في شامة و غربة.

لكن مع كل عسر يأتي اليسر.. و مع كل محنة تليها المنحة.. و جرت سنة الإستبدال على أرض الإسلام كافة.. لكن نجد لم تستبدل حزنها و جوعها و جهلها.. صحيح أنها تخلصت من الباطنية.. لكنها لم تستطع أن تتخلص من جاهلية أبنائها الذين دمروا أنفسهم قبل أن يدمروا أرضهم بحروب تافهة الأسباب ربما.. صغرت نارها و جمرت.. لكن من هذا الجمر تولدت نار عظيمة أحرقت كل مآسيها السابقة.. نار بضوئها سلكت نجد طريق المجد.. نار بحرارتها أذابت قلاع الشرك من أرضها.. نار بلهيبها أخافت ملالي الجهل من قوتها.. حاولوا إطفائها بالفرية و إدخال الخوف منها في قلوب أتباعهم .. قالوا أنها نار جديدة ليست من هدي المصطفى.. لم يعلموا أن هذه النار قد أوقدها نبينا محمد لكنها جًمرت.. و من جمرها ولدت.. و كان أول من هفها و غذاها في أرض نجد هم الأئمة “رحمهم الله” محمد بن عبدالوهاب و الأمير محمد بن سعود “غفر الله لهم و جزاهم خيرًا عن هذه الأمة”.

أمسكت نجد بتلك الشعلة رغم جراحها و فقرها.. هاشت بها أعداءها و أحرقتهم بها .. انتصرت و عادت لها ابتسامتها بنصرها.. سُلطنت مرة أخرى و لبست تاجها العتيق.. لبست هويتها الجديدة لتظهر بمظهر القوة الساطية.. ضمت ما يمينها و يسارها.. شربت من مياه بحار العرب و حمتها بكل قوتها.. أرسلت دعوتها لكل بلاد المسلمين لكن لم يجاوبها إلا القليل.. أعلن المنتفق حربه عليها فغزت أرضه بأبنائها و فتحت لهم أبواب كربلاء و البصرة “1802-1803 مـ”.

بقوة بأسها و شدة دعوتها.. تلبست الخيفة منها سلاطين أستانة.. فبدوا يتحرشون بها بدعم الخوالد الذين انقلبوا عام 1792 لكن ردت و طردتهم في السنة التالية.. قاد والي بغداد حملة ضدها لكنها أنكسرت أمام قوة الدرعية.. فأعلنت عليهم الحرب و هددت بغداد نفسها.. لكنها تراجعت و ألتفتت جهة “البريمي”.. أستغل الأتراك إنشغالها.. فقاد والي دمشق عليها حمله إنكسرت هي الأخرى عند العقبة.. سئم الباب العالي من إنكسار حملات الولاة أمامها.. فأراد أن يضربها بأقوى ولاته.. أمر والي مصر محمد باشا بمهاجمتها.. فأرسل أول حملة بقيادة إبنه إبراهيم لكنها تشتت و إنهزمت عند ينبع.. سحب إبنه و أستبدله بطوسون الذي نجح في دخول المدينة المنورة لكنه فشل في إقتحام بلدة “الحناكية” بوابة نجد الغربية و لم تحل هذه الهزيمة المرة حتى عصفت به هزيمة لا تقل قوةً عن سابقتها على يد غالية البقمية “شجرة در نجد”.. رجع ميئوسًا منكسرًا.. لكن جُبر قلبه حين رأى جند مصر تحت يديه .. فعاد يبحث عن المجد من فوق “سيول” من الدماء قد سفكها.. و حلت مشيئة الرب بسقوط قلب نجد و تلاشي بريقها أمام سحاب الجاهلية الأولى.. عادت لحالها دون حزن.. فهي تعلم أن بنيها لن يخونوها.. عادوا لها وهم يحبون أرضها.. أطمأنت للمرة الأخيرة و كان هذا فتح خير مثل فتحت نونها.

على عمرها الطويل لم تشيخ.. لم تستسلم.. لكنها مازالت تعاتب التاريخ.. لما لم يعطيها حقها.. هي ليست مجرد عرضة أو لهجة أو صحراء.. هي فخر للتاريخ الذي يتناساه “بعض” المؤرخين.. رسالتها الأخيرة تطلب منا أن نعرف بتاريخها و رموزه و بحضاراتها البائدة للعالم كله.. و الأهم من هذا كله أن يعرف تاريخها.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>